فيليب لازاريني
إن الادعاء بأن الناس في غزة يمكنهم الانتقال إلى مناطق "آمنــــة" أو "إنسانيـــة" هو ادعاء كـــاذب. وفي كل مرة، يعرض حياة المدنيين لخطر جسيم.
المفوض العام لوكالة الأونروا - 18 أيار 2024.
جاري التحميل
مع استمرار دائرة النزوح؛
هل توجد في غزة مناطق آمنة؟
بينما تستــمر إسرائيــــل في ارتكاب الفظاعات بالمدنيين/ـات فـي قطاع غــــزة، منذ بداية الصــــراع فــي أكتوبـــر/تشريــن الثانـــي 2023، يبقى توثيـــق تلك الانتهـــاكات بصريًا دليلًا مثبتًا في سبيل عدم إفلاتها من العقاب. يضطر المدنيـــون/ـات في قطاع غـــزة للفرار من الهجمات والاستهداف مرارًا وتكرارًا منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الثاني 2023.
قامت إسرائيل بتقسيم المنطقة إلى إقطاعات بلوكـــات بأرقام محددة في ديسمبر /كانون الأول 2023؛ مستمرةً بإصدار أوامر الإخلاء والانتقـــال كذريعة للتنصل من مسؤوليتها فــي استهداف المدنيين/ـات.
آخرها إعلان القوات الإسرائيلية عن بدء عملياتها البرية في شرق مدينة رفح جنوب القطاع في 6 مايو/أيار 2024، طالبةً من النازحين/ـات الانتقال إلى المنطقة الآمنة، وكانت رفح نفسها منذ بداية الأحداث إلى تاريخ الإعلان عن الاجتياح منطقة آمنة للنزوح، وملجأ للعديد من المدنيين/ـات في غزة، الذين أجبرهم/ن الاجتياح الأخير على للنزوح مجددًا.
بالرجوع إلى التسلسل الزمني لأوامر الإخلاء يمكن اختصار دورة النزوح منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى مايو/أيار 2024 بثلاث دورات رئيسية، بدأت الأولى منها في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عندما أصدرت القوات الإسرائيلية أمرًا يدعو سكان شمال القطاع بالتحرك نحو جنوب وادي غزة.
مع استمرار إلقاء مناشير الإخلاء للشمال وانتقال المدنيين للجنوب، نُشرت أوامر جديدة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2023 تطلب من سكان منطقة خان يونس بالنزوح إلى مناطق تل السلطان والزهور والشابورة، ومن ثم إخلاء بعض مناطق جنوب وادي غزة نحو المآوي في دير البلح.
في 6 مايو/أيار 2024، وبعد موجات نزوح مختلفة طُلب من النازحين/ـات في المنطقة الشرقية من رفح النزوح مجددًا نحو المنطقة الإنسانية الموسعة في المواصي.
أظهرت صور الأقمار الصناعيــة حجم التغيــّـر الملحـــوظ فـــي مخيمات النازحين شمال رفـــح وانتقال الخيام في منطقة تــل السلطان بلوك 2371, 24372 إلى خانيونس بعد إعلان القوات الإسرائيليـة عبر مناشير تدعو فيها الأحياء الشرقية لرفح إلى إخلاء المنطقة من السكـــــان بشكل مؤقت والانتقال إلى المنطقة الإنسانيــة الموسعة.
بالرغم من ذلك، لم تكن منطقة تل السلطان ضمن المناطق المحددة للإخلاء، ولكنها شهدت انتقالًا وتغيّرًا كبيرين في شكل توزيع الخيام بعد مرور تسعة أيام من إعلان العمليات العسكرية الجديدة للقوات الإسرائيلية في رفح.
حتى 14 مايو/أيار 2024 أصبحت أجزاء واسعة من مدينة رفح "مدينة أشباح"، فوفقًا لتقرير الأمم المتحدة حوالي 450,000 من سكان غزة قد هُجّروا قسرًا من أقصى الجنوب بموجب أوامر الإخلاء الإسرائيلية.
يمكن ملاحظة أجزاء من الأراضي الزراعية أيضًا جُرفت من أقصى الجنوب بفعل الإجتياح، بالإضافة إلى تدمير المباني السكنية هناك.
لم تكن المنطقة الانسانية المعلنة المكان الأمثل للنزوح، حيث شهدت دمارًا واسعًا في الأشهر الماضية.
فعلى سبيل المثال منطقة المواصي، والتي تضم أكبر عدد من مخيمات النزوح، عبارة عن أرضي زراعية رملية تبلغ مساحتها 14 كيلومترًا مربعًا في خان يونس، حيث يُترك الناس في العراء مع القليل من المباني أو الطرق أو عدم وجودها على الإطلاق.
يذكر فيليب لازارينـي المفوض العام لوكالة الأونروا أن المواصي كانت موطنـًا لأكثر مـن 400 ألف شخص، فالمكان مكتظ ولا يتسع لعدد أكبر من النـــاس كما هو الحال في دير البلح في المناطق الوسطى.
فيليب لازاريني
إن الادعاء بأن الناس في غزة يمكنهم الانتقال إلى مناطق "آمنــــة" أو "إنسانيـــة" هو ادعاء كـــاذب. وفي كل مرة، يعرض حياة المدنيين لخطر جسيم.
المفوض العام لوكالة الأونروا - 18 أيار 2024.
من 6 - 12 أيار / مايـو 2024، بلغ العدد التقديري
للنازحين من رفح حوالي 360,000 شخص.
من 6 - 19 أيار / مايـو 2024، بلغ العدد التقديري
للنازحين من رفح حوالي 815,000 شخص.
من 6 - 26 أيار / مايـو 2024، بلغ العدد التقديري للنازحين من رفح حوالي 945,000 شخص ، مع نزوح 100,000 شخص آخر في شمال غزة. وقد تم إخلاء معظم ملاجئ الأونروا في رفح، مع انتقال النازحين إلى خان يونس ودير البلح.
في 24 مايو/أيار 2024، قصفت الطائرات الإسرائيلية أراضٍ بالقرب من المخيمات في مدينة أصداء بمنطقة المواصي خان يونس حسب البلاغات يومذاك، مع أنّ المواصي مُدرَجة في المنطقة الإنسانية المزعومة والمعلنة عن كونها آمنة.
أظهرت صور الأقمار الصناعية الحفرة المتكوّنة جراء الضربة بالإضافة إلى حفرة أخرى قريبة منها. وقد طمرت الحفرتان عددًا من الخيام ما يشير إلى أنّ الهجوم كان بضربتين على نفس المربع من الأرض.
عند تقطيع فيديو الهجوم يمكن ملاحظة شكل القذيفة المستخدمة والتي تبدو مشابهة لقذائف SPICE الإسرائيلية (النسخة الإسرائيلية من مجموعة JDAM)
كما تشبه أيضًا اصدارات إسرائيل الخاصّة من MK 83 الأمريكية التي تسمّى MPR والتي تتشابه أيضًا مع عائلة Paveway II الأمريكية.
لا يمكن التأكّد ممّا إذا كانت نسخة أمريكية أم إسرائيلية عبر النظر إلى شكلها العام ، وقـد يحتاج التحديد الدقيق الوصولَ إلى بقايا القذيفة أو صورٍ أقرب لها.
عند اخذ صورة أوسع للمنطقة المتأثرة تظهر صور الأقمار الصناعية ضربتين إضافيتين على بعد 300 متر من الضربة التي تم توثيقها ونشرها على مواقع التواصل الإجتماعي.
بالرغم من تحديد المنطقة كمنطقة إنسانية "آمنة"، إلّا أنّ القوّات الإسرائيلية تستمر في شنّ هجماتها مستخدمةً ذريعة إلقاء مناشير تحذيرية قبيل القصف طالبة من النازحين/ـات النزوح مجددًا.
بعد يومين من هجوم المواصي أي في مساء 26 مايو/أيار 2024، قصفت القوات الإسرائيلية مخيمات النازحين في منطقة تل السلطان في المنطقة الرمادية (وهي ليست منطقة إخلاء أو منطقة إنسانية) في مدينة رفح. سقط بسبب الهجوم عدد كبيرٌ من القتلى والجرحى، وأشارت التقارير الأولية للأونروا إلى وقوع 50 ضحية تقريبًا بين النازحين/ـات، حيث أصابت الغارة الموقع غير الرسمي المجاور لقاعدة اللوجستيات التابعة للأونروا. بينما قدّرت الأمم المتحدة، أخيرًا ،عدد القتلى بـ 200 شخص.
وفقًا لبيان المتحدث الإسرائيلي استخدم الجيش الإسرائيلي ذخيرتين بوزن 17 كجم (37 باوند) في الهجوم على المخيم في رفح.
We are talking about munition with 17 Kilos of explosive materiel
Daniel Hagari
بينما ظهرت بقايا القذيفة المستخدمة في الهجوم في فيديو نشره أحد المستخدمين على تليجرام، تعود إلى إحدى القنابـل الأمريكيــة من نوع SDB-GBU-39 ، كانت البقايا تعود لنظام تشغيل الذيل، الذي يتحكم في الزعانف التي توجه القنبلة إلى الهدف. استخدام ذخيرتين تزن 17 كجم (37 باوند) في هجومها على المخيم في رفح.
كانت أحد التفاصيل المهمة التي ظهرت على إحدى القطع رقم "81873"، وهو رمز تعريف فريد مخصص لشركة Woodward، وهي شركة تصنيع طيران مقرها في كولورادو. من الجدير بالذكر، أن إسرائيل تلقت حتى عام 2023 حوالي 1000 قنبلة GBU-39 من الولايات المتحدة وفقًا لبيانات نقل الأسلحة Sipri.
81873
عاودت القوات الإسرائيلية قصف خيام المواصي غربي رفح في 28 مايو/أيار 2024، سقط على إثر الهجوم عشرات القتلى والجرحى من النازحين.
مقابلة مع إحدى الناجيات من قصف خيام المواصي، تتحدث عن تتابع دورات النزوح والتي لم تحميهم من الموت أيضًا.
ظهر الضرر في مقاطع الفيديو المصورة بعد الحادثة، إذ ظهر أنّ بعض الخيام قد انهار، وبعضها الآخر تضرّر أو تمزّق إثر تطاير شظايا المقذوف.
كان التأثير واضحًا في صور الأقمار الصناعية الحديثة بتـــاريخ 30 مايو/أيار 2024، يمكــن ملاحــظة بقعة وانطمار بعض الخيام.
بالنظر الى صور الأقمار الصناعية بتاريخ 26 مايو/أيار 2024 قبيل يومين فقط من الهجوم، يظهر الموقع مزدحمًا بالخيام والنازحين. حيث كانت المنطقة ملجأً للعديد بعد إعلان الاجتياح لرفــــح وإطلاق المنشورات التحذيرية للجوء نحو المنطقة.
ولكن يمكن ملاحظة اختفاء العديد من تلك الخيام بعد الهجوم، الصورة أُخذت في 6 يونيو/حزيران 2024 .
ما زال النازحون/ـات في قطاع غزة يضطّرون يوميًا للنزوح إلى مناطق يُعلن أنها آمنة ولكنهم يتفاجأون دائمًا أنهم يُقصفون في خيام نزوحهم. لم تتوقف دائرة النزوح حتّى لحظة كتابة هذا التحقيق، ولم تتوقف تباعًا الهجمات على المخيمات والنازحين أيضًا. ذكرت الأونروا في تقريرها أنه حتى 27 أيار، قُتل ما لا يقلّ عن 36,050 فلسطينيّ في قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول 2023. بالإضافة إلى 81,026 آخرين أصيبوا بجروح.
تستمر المطالبات بوقف إطلاق النار وضرورة إعادة الحياة لمسارها الطبيعي وحماية المدنيين وإحالة كل مرتكبي الجرائم الى العقاب.
هذا التحقيق هو واحد من عدة تحقيقات مفتوحة المصدر تم إنتاجها من قبل فريق نوى ميديا للاستجابة لتغطية الحرب في غزة.
ونظرًا للعنف المتصاعد بسرعة، فإن الأرقام هي سجل تاريخي لذلك الوقت، وليست انعكاسًا للواقع الحالي.
ومن خلال هذه التحقيقات، نهدف إلى المساهمة في مجموعة المؤشرات حول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. ولهذا السبب، يستخدم مؤلفو هذه التحقيقات لغة دقيقة وحذرة تساعد في تعزيز ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم في المحاكم الدولية.
إعداد :زهرة القدسي
الدعم التقني : حسين خليل
الإعداد البصري : بيان عثمان
الاشراف العام : عبد الرحمن جلود
تدقيق لغوي : زهراء ديراني