الملح اللبناني يواجه الزوال… التغيّر المناخي يهدّد أنفه

الملح اللبناني يواجه الزوال… التغيّر المناخي يهدّد أنفه

سمايا جابرسمايا جابر
لــبـنــان 31-07-2025

الملح اللبناني يواجه الزوال والتغير المناخي يهدد بلدة أنفه في لبنان، التي تتفرّد في انتاجها للملح الطبيعي عن سائر بلدات دول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط فتكاد تكون البلدة الوحيدة التي تستخرج الملح الطبيعي، وبالطرق التقليدية اليدوية. ولكن تصطدم اليوم حِرفة استخراج الملح التاريخية، التي يمتدّ عمرها لآلاف السنين، بعوائق بيئية وتغيرات مناخية قد تهدد وجودها وتقوّض أسسها.

لمحة تاريخية: أنفه منجم الذهب الأبيض

بلدة أنفه الواقعة في قضاء الكورة شمال لبنان والتي تبلغ مساحتها ٤،٩٣ كلم٢، تتميّز بأحد أقدم مواقع استخراج الملح في لبنان والتي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث عُثر على نصوصٍ مسمارية تمتدح جودة الملح المنتج بسواعد أهلها.

وخلال العصر الفينيقي، حظيت هذه الحرفة التاريخية بأهمية بالغة إذ بات الملح آنذاك سلعةّ تجارية واستهلاكية مهمّة. في العهد العثماني، ولاحقا في ظلّ الانتداب الفرنسي، تعرّضت ملّاحات أنفه للتدمير.

وحُظرَ إنتاج الملح بسبب المنافسة الكبيرة التي كانت قائمة، ما حوّل الملاّحات الممتدة على مساحة ٥٠٠ ألف متر مربع من الشاطئ الصخري إلى بركٍ فارغة ومتشققة، حتى عودة العمل فيها عام ١٩٤٣، بعد أن نال لبنان استقلاله.

مع مرور السنوات، تعرّضت الملاحات التي انتشرت تاريخياً من منطقة العبدة العكارية شمال لبنان إلى صيدا جنوباً، مروراً بطرابلس، جبيل والبترون، وغيرها من المناطق الساحلية، للكثير من التهميش والإهمال الناتج عن الحروب التي جعلت الاهتمام بالملح ثانويا، خصوصًا طوال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت منذ العام ١٩٧٥ حتى العام ١٩٩٠، والتي كانت سبباً لتوقفٍ شبه كامل للأنشطة الاقتصادية، خصوصاً غير الحيوية منها، ومن ضمنها استخراج الملح.

كما كانت الحرب أيضًا سبباً لتدهور الطرق والمرافق التي كانت تُستخدم لنقل الملح وتوزيعه، بالإضافة إلى تضرر بعض أحواض التبخير وإهمال إعادة تأهيلها. هذا في حين كان التوسع العمراني العشوائي، والانفلات في تنظيم استخدام الأراضي، سبباً إضافياً في تهديد هذه الصناعة.

بعد الحرب، وبغياب خطط جدية لإحياء القطاع أو إدخاله في سياسات حماية التراث البيئي والاقتصادي، اتجه بعض الملاحين إلى قطاعات بديلة تدر عليهم أرباحاً سهلة. فلجأ بعضهم إلى تدمير ملاحاتهم لبناء منتجعات سياحية وتجارية بديلة عنها على شاطىء المتوسط.

 الدولة مساهمة في تدهور صناعة الملح

التحوّل الجذري في تاريخ صناعة الملح في لبنان، يعود، بالأساس، إلى دور الدولة التي ساهمت فعليًا في تقليص وجود هذه الحرفة لتصل إلى ما هي عليه اليوم. فمن جهة، تراجعت مؤسسات الدولة خلال الحرب، ومن جهة ثانية، ألغت الضرائب على استيراد ملح البحر.

هذا القرار الأخير أعطى للملح المصري، الذي كان أقل كلفة من الملح المحلي، أفضلية لدى التجّار الذين يبغون الربح. كما حرمت الدولة المنتجين من رخص ترميم الملاحات المتهالكة بفعل هجرها لسنوات.

هذه العوامل كلّها أثقلت السوق المحلي، وزادت من المنافسة، وساهمت بتقليص وجود الملاحات على الساحل اللبناني عمومًا، وفي أنفه خصوصًا. باتت هذه البلدة الشمالية منجم الذهب الأبيض الوحيد في لبنان، مع وجود ٤ ملاحات أساسية تمتد على مساحة حوالي ١٦٠٠٠ متر، مقسّمة أبناء آل النجار وآل سليمان وآل مالك، الذين يتوارثون العمل في هذه الحرفة حتى اليوم. 

 

  

 

 

قصة العثمانيين والفرنسيين “الملح مادة صراع”

 

 

صناعة الملح: حرفة مستمرة رغم التغيرات

“الإنسان لم يخترع صناعة الملح، بل اكتشفها عبر الطبيعة”، هذا ما أكد عليه المهندس المعماري وابن بلدة أنفة جورج ساسين، الذي أوضح أنّ الشاطئ الصخري الموجود في البلدة كان يحتوي على أجران وبرك طبيعية تملؤها مياه البحر بفعل المد، وعند الجزر تبقى هذه المياه في البرك، وتتبخر لاحقاّ بفعل الحرارة، مخلّفةً وراءها ترسبات من الملح.

مع تطور الزمن، انتقل أهالي أنفه من الطرق البدائية في استخراج الملح إلى الطرق الأكثر تقدّمًا، فأنشأو أجران (أحواض) وبرك مماثلة لتلك التي أنشئت بفعل الطبيعة ولكن على مساحات أوسع، وصاروا ينقلون مياه البحر إليها لاستخراج الملح بالأساليب عينها.

جهد الأهالي أدى إلى تطور الحرفة التي كانت تنتج للبنان عام ١٩٩٠، ٤٥ ألف طن من الملح سنوياً، وحوالي ٥٠ ألف طن سنوياً بين عام  ١٩٥٥ و١٩٧٥.

تمرّ عملية استخراج الملح الطبيعي في أنفة بمراحل عديدة، تبدأ، بحسب جورج سليمان، ابن الجيل الثالث لإحدى العائلات العاملة في استخراج الملح منذ سنين، بملء الأحواض بماء البحر باستخدام مضخات صغيرة تعمل بطاقة الرياح، تنقل إلى أحواض خرسانية بعمق متر ومساحة تصل إلى ٢٠ متراً مربعاً.

على مدار ٢٠ يوماً تقبع فيها المياه داخل الأحواض أين تحصل، ثلاث عمليات طبيعية، تتمثل بارتفاع نسبة الملوحة نتيجة تبخّر المياه، وترسّب الشوائب نتيجة ركودها، بالإضافة إلى الاستعانة بسمكة البوري التي توضع بحجم معين داخل الحوض للتخلص من كافة العوالق، والكائنات المجهرية، والحشرات الآتية من الجو أو من البحر.

بعد هذه العملية، تُنقَل المياه المتبقية من الأحواض الكبيرة إلى أحواض أصغر حجماً عبر نوع من الفلاتر فتصبح نظيفة. وفي هذه الأحواض تمكث ٢٠ يوماً. في هذه المرحلة، تتبخر المياه بسرعة خلال الأيام الـ١٠ الأولى، ليظهر النوع الأول من الملح الذي يجري التخلص منه لاحتوائه على معادن ثقيلة، وجزيئات بلاستيكية وترسبات من التلوث. هذا النوع من الملح يتسبب، وفقاً لجورج سليمان، بقتل الأسماك والطحالب البحرية ما إذا اُعيدَ إلى البحر، لذلك يوضَع على طريق ترابية خالية من الأعشاب.

بعد هذه المرحلة يصبح الحوض جاهزاً لاستقبال ملح الطعام الذي يظهر بين اليوم الـ١٣ والـ١٧ من العملية، حيث يُحرّك ويُجمَع  ويوَضّب في أكياس كبيرة. ومع انتهاء كل “قطفة”، يشدد سليمان على بقاء المياه في الأحواض، كي لا يظهر النوع الثالث من الملح الذي يكون على شكل إبر صغيرة غير صالحة للأكل بسبب طعمها المر، ولكن يستفاد منها في مستحضرات البشرة واستخراج زيت “الماغنيسيوم” بطرق طبيعية.

في ملّاحات آل سليمان، تجري هذه العملية ٥ مرات في العام الواحد، في المرة الأولى يكون الملح غنيًا بالـ”صوديوم كلورايد”، ويُخصَّص  للأعلاف، والأشجار، ولتذويب الثلج والبرمجيات. في القطفة الثانية والثالثة يكون الملح نظيفاً ولكن فيه القليل من الشوائب، فيُخصص لمعامل الكبيس والجبنة. 

أما “القطفة” الرابعة فهي الأحبّ على قلب نساء أنفه اللواتي يستفدن من الملح المستخرج “المونة البلدية” بسبب غناه بالمعادن. أمّا المرحلة الخامسة والأخيرة، فتأتي مع سيطرة الهواء الجاف على لبنان في شهر آب، ما يؤدي إلى تجفيف سطح الماء وظهور نخبة الملح عالميًا المسماة بـ”زهرة الملح”.

 

الملاّح جورج سليمان  يحكي عن مراحل صناعة الملح في أنفه. 

 

 

التغيّرالمناخي: خطر جديد يهدّد صناعة الملح

إنّ اعتماد حرفة استخراج الملح، وعلى نحوٍ أساسيّ، على العوامل الطبيعية كالحرارة والرياح وموعد هطول الأمطار، جعل من التغيرات المناخية التي برزت تأثيراتها بشدة في السنوات الأخيرة، حجرَ عثرة في مسار تطور هذه الصناعة. فموسم استخراج الملح الذي يبدأ عادةً من “آخر شتوة” في أيار إلى “أول شتوة” في أواخر شهر أيلول أو شهر تشرين الأول، شهد تقلبات في السنوات الماضية، مع تغير أنماط الطقس في لبنان.

في حديث خاص لـ”نوي ميديا”، قال الملّاح جورج سليمان: “كان التغيّر المناخي ذات تأثيرٍ سلبيّ شديدٍ  علينا. ففي السنوات الأربع الماضية، باتت تمطر على نحوٍ متفرق خلال شهري تموز وآب”. وأضاف:”حينما تهطل الأمطار، نضطر إلى توقيف عملية الإنتاج، ونضطر إلى التشطيف واستخراج المياه، فالمياه الحلوة عندما تختلط بالمياه العذبة تسبّب شكلًا من “الكمخة”، ما يقود إلى إفساد الملح، وإعادة العملية من جديد!” “كل ما تشتي الدني بدنا نوقف عملية الإنتاج. بدنا نضطر نرجع نشطف، نشيل المي، لأن المياه الحلوة مع المياه المالحة بتسبب نوع من “الكمخة”، فـ بينتزع عنا الملح كلو، ومنضطر نرجع نعيد”.

 مع كلّ هطول مفاجئ، يخسر جورج “قطفة”. أي حوالي ٣٠ يومَ عمل، وما يعادل ١٥ طنًّا من الملح، وبكلفة مالية تتراوح بين ٢٥٠٠ إلى ٥٠٠٠ دولار، بحسب نوع الملح الذي كان يُنتج. وهذا أمر لا يمكن تفاديه كما يقول جورج، لأن “الشتا بإيد ربنا”، إلا أنه يمكن في بعض الأحيان “التذاكي على الوضع”، عبر إنقاذ ما يمكن إنقاذه أو تصفيته، وإعادة شطف ما أمكن شطفه من دون إتلاف الملح كلياً”.

هذه التغيّرات يعزوها رئيس مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت محمد كنج في حديث لـ”نوى ميديا”، إلى تغيّر طريقة تساقط الأمطار في السنوات الماضية. في وقت يشهد البلد تراجعاً متسارعاً في أيام الهطول، سجّل هذا العام الرقم الأسوأ منذ ٨٠ عاماً من حيث كمية المتساقطات، بلغ معدل المتساقطات شمال لبنان هذا العام، بحسب بيانات محطة طرابلس، ٨٢٥ ملم، مقارنة بـ١٢٠٥,٩ ملم سُجلت العام الماضي.

وفي وقت كان لبنان يشهد بحسب الصحافي المتخصص في القضايا البيئية مصطفى رعد لـ”نوى ميديا”، كميات مهولة من الأمطار، وكان يتمتع بـ٨٠ يوماً من الهطولات المطرية سنوياً، بات يشهد اليوم بين ٤٠ إلى ٤٥ يوماً ممطراً. كذلك، تراجع عدد الأيام التي تبقى فيها الثلوج على الجبال من ١١٠ أيام سنوياً، لما يقارب ٤٥ يوماً.

ورغم تأكيد جورج سليمان أن التغيرات المناخية لم تؤثر حتى الآن على جودة الملح المستخرج خصوصا الزهرة، لفت الصحافي مصطفى رعد إلى وجود عدة تحديات مناخية يمكن أن تؤثر على هذه الصناعة التقليدية، أبرزها زيادة التبخر الذي يؤدي لارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر في الملاحات، الأمر الذي يقلل من كمية المياه المتاحة في الأحواض المخصصة لجمع هذه الأملاح.

كذلك أوضح رعد أنّ تراجع نسبة هطول الأمطار يقلل من تدفق المياه للأحواض، ما يؤثّر سلباً على عملية التبخر والإنتاج. أضف إلى ذلك، إن ارتفاع مستوى سطح البحر يؤدي إلى تداخل المياه المالحة مع المياه الجوفية، ما يعرف بـ Sea intrusion، وبالتالي إلى تداخل المياه المالحة مع المياه العذبة في المناطق الساحلية، ويؤثر على نوعية المياه المستخدمة بالإنتاج.

الملح في السوق اللبناني: موطن البلاستيك الجزئي

رغم أنّ ملح أنفه هو الأنقى في العالم، لفت رعد إلى وجود ١٦ صنفاً من الملح المستورد في السوق اللبناني، وبحسبه، بيّن دراساتٌ على عينات من هذه الأملاح المستوردة أنّ ٥١٪؜ منها يحتوي على أجزاء من الـ”مايكروبلاستيك”، وتحديداً مواد كيمياوية مثل “البولي بروبيلين – Polypropylene” و”ثيرموبلاستيك بوليستر – Thermoplastic Polyester”.

دخول البلاستيك الجزيئي الذي لا يرى بالعين المجردة في صناعة الملح بسبب المواد التقليدية المستخدمة بعملية الإنتاج، دفع بعدد من الجمعيات والمؤسسات اللبنانية كاللجنة البيئية ببشري، Green Initiative، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، إلى إنشاء مشروع “درب الملح” و”Save Our Salt”، الذي شمل ١٠ ملاحات في دير الناطور بأنفه من أصل ٢٠ ملاحة شملها المشروع، وذلك بهدف تحسين نوعية الملح المنتج فيها، والتخفيف من وجود الـ”ميكروبلاستيك”، وقد تحقّق هذا الهدف في العام ٢٠٢٣.