“عايشين من قلة الموت”.. التغيّر المناخي يضاعف مأساة اللاجئات السوريات

“عايشين من قلة الموت”.. التغيّر المناخي يضاعف مأساة اللاجئات السوريات

مريم الدحدوحمريم الدحدوح
لــبـنــان 31-12-2023
يعيش لبنان تحديات كثيرة بدأتا من المأزق السياسي، مرورًا بإنهيار الوضع الاقتصادي وصولًا إلى الكوارث المحتملة التي تتشكل مخفياً مضاعفاً من وراء ذلك أن يزيد من حدّة المشاركة المشتركة. ولأن اللاجئين واللاجئين هم الأشد ضعفاً في المجتمعات، فإن اللاجئان السوريات الاتي يمثلن 52.5% من مجمل تعداد  اللاجئين من أصل مليون لاجئ\ة يعانون من الأمرين و”عايشين من الموت”

 

“أشعر بالقلق والاكتئاب والخوف دائمًا”.. هكذا عبّرت  سمر – اسم مستعار- عن شعورها السلبي تجاه المناخ المتطرّف صيفًا وشتاءً. سمر لاجئة سورية مقيمة في أحد مخيمات “تعلبايا” في البقاع اللبناني، و أم مطلقة تقطن داخل خيمة لا تتعدى الأربعة أمتار مع عائلتها المؤلفة من ثمانية أفراد. في الصيف وخلال موجات الجفاف الشديدة تعاني من اضطرابات في دورتها الشهرية، أمّا رياح الشتاء القاسية لا تقوى خيمتها على صد البرد، الصقيع والأمطار فتغرق الخيمة لتسبب لها ولعائلتها أمراضًا مزمنة.

من البقاع إلى الجنوب اللبناني تحديدًا مخيم جب جنين، تعيش أم محمد -اسم مستعار- ذات الظروف منذ 12 عامًا، في كل الفصول. أم محمد أرملة تعيش في خيمتها مع أطفالها السبعة، تقاوم رياح العواصف القاسية والسيول داخل خيمتها المتهالكة التي تطوف بها المياه. عبّرت عما تعيشه بسبب التغيّرات المناخية، قائلةً: “عايشين من قلة الموت”.

سمر وأم محمد تمثلان شريحة واسعة من اللاجئات اللواتي ألقى التغيّر المناخي آثاره عليهن، ليزيد من مصائبهن مصيبة. فمن التهجير القسري وصولًا إلى الأزمة الاقتصادية في لبنان، يعيش آلاف اللاجئين/ات داخل نحو 3100 مخيم، خاضع لمخاطر التغيّر المناخي والطقس المتطرّف التي يمكن أن توصل إلى الموت في بعض الحالات.

المأساة تتكرر وتتفاقم

تغير المناخ هو نتيجة تحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس حصيلتها كانت الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر والعواصف والفيضانات التي تؤدي إلى زيادة الأمراض المزمنة والمنقولة بالأغذية والمياه، ومشاكل الصحة النفسية وصولًا إلى الوفاة.

انعدام البنية التحتية وغياب التخطيط لإدارة الأزمة داخل المخيمات يضاعف هذه النتائج على اللاجئين/ات. ووفقًا لمفوضية الأمم المتحدة “الأكثر تعرضًا للتأثر بتغيّر المناخ هم المجتمعات المحلية والنساء والفقراء والمهمشون”. كما تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أن “النساء خصوصًا اللواتي يعشن في المناطق الفقيرة ومناطق النزاع، يواجهن مخاطر وأعباء أكبر جراء تغير المناخ”.

وأشارت العديد من التقارير الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن: “التداعيات السلبية على النساء تنتج عن دور المرأة في المجتمع والأسرة، وحساسيتها الجسدية وزيادة حاجتها إلى النظافة مقارنة بالرجل”. وكشفت إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن عدد النساء اللواتي يفقدن أرواحهن بسبب الكوارث المناخية مثل العواصف والأعاصير والفيضانات، يزيد 14 مرة عن عدد الرجال.

 أكدت رؤى دندشي، المتخصصة في قضايا الجندر والتغيّر المناخي، لموقع نوى ميديا، أن “تغيّر المناخ يؤثر على النساء بالدرجة الأولى بما أنهن الفئة المستضعفة والأكثر هشاشة داخل المجتمع، والمخيمات بشكل خاصّ تضم الفئة الأكثر فقرًا من النساء”.

كما أشارت دراسة نشرت على موقع PLOS إلى أن: “النساء تعانين من ارتفاع معدلات فقر الدم وسوء التغذية بسبب التغيّرات المناخية، كما أنهن حساسات لانعدام الأمن الغذائي الناجم عن المناخ بسبب زيادة الاحتياجات الغذائية أثناء الحيض والولادة”.

من هنا، أشارت دندشي، إلى أن: “غالبية النساء داخل المخيمات هن مزارعات، وبالتالي فإن سبل عيش النساء معرضة للخطر بسبب فشل المحاصيل المرتبط بالمناخ، مما يهدد زيادة الفقر وكذلك النتائج الصحية السيئة للنساء، التي يمكن أن تؤدي إلى عدم انتظام الدورة الشهرية و خلال مرحلة الحمل وترتفع معه حالات الإجهاض القسري”.

أشارت دراسة نشرها موقع “OnlyMyHealth” الطبي، إلى أن الدورة الشهرية أصبحت تتأثر بالارتفاع المتطرف لدرجات الحرارة، والتعرض للشمس لفترات طويلة، وتطرأ عليها تغييرات عدة مثل زيادة مدتها أو نقصانها عن المعتاد وغزارة الدم أو نقصانه أو انقطاع الدورة.

التطرّف المناخي يضاعف المأساة

صيف 2022، تأثر لبنان بموجة الحر الشديدة التي اجتاحت العالم، حيث سجّل ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة، تجاوزت المعدلات الطبيعية بحدود الثماني درجات، ووصلت لنحو 43 درجة مع انخفاض في الرطوبة، بحسب مصلحة الأرصاد الجوية اللبنانية.

هذا الارتفاع قد أثر بشكل كبير على صحّة اللاجئات داخل المخيمات، حاملًا معه الإصابة بالجفاف وضربات الشمس.

 

سمر قد عانت بدورها من هذا الارتفاع الحاد بدرجات الحرارة والجفاف الشديد، تسبب لها بضربة شمس ودوار أجبراها على ملازمة الفراش خمسة عشر يومًا، لم تتلقَ خلالها أي مساعدة من الجمعيات بحسب ما ذكرته لموقع نوى ميديا.

“فرن عم يغلي”، بهذه العبارة وصفت رنين العمر، الناشطة في قضايا اللاجئين/ات السوريين/ات في مخيمات لبنان، حرارة الخيم من الداخل في فصل الصيف، وأكّدت أنه “خلال هذا الفصل ترتفع حوادث حرائق الخيم بسبب ارتفاع درجات الحرارة وهذا الارتفاع يولّد “ماسًا كهربائيًا” في الأشرطة المتمددة حول الخيم مما يزيد الخطر على حياة اللاجئين/ات، مشيرةً إلى أن: “الخيم مصنعة من خشب ونايلون وهذه المواد تفاقم خطورة اشتعال الحرائق بسرعة”.

خلال شتاء 2022، شهد لبنان بين شهري كانون الأول وكانون الثاني، احتباسًا كبيرًا في هطول الأمطار، قبل أن يعود ليشهد في شباط هطول غزيرًا وشديدًا للمتساقطات. هذا الهطول الفجائي والغزير لفترة قصيرة يؤدي إلى سيول وفيضانات من دون أن تمتصها الأرض بشكل مناسب، لذا كان فصل الشتاء أكثر قسوةً على المخيمات في ظل بنية تحتية تعاني من اهتراء، تجعل من التصدي لمفاجآت الطقس المتطرّف مهمة صعبة.

 

في منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وبعد هطول الأمطار بشكلٍ مفاجئ حصل فيضان وسيول داخل أحد مخيمات الجنوب. أجبرت خلاله أم محمد على النزوح مرة جديدة وترك خيمتها لتلجأ إلى خيمة أحد أقاربها.
قالت العمر،  الخيم داخل بعض المخيمات تغرق في فصل الشتاء نتيجة هطول المتساقطات والهواء القوي، وعدم جهوزية هذه الخيم يزيد الوضع سوءًا، قائلةً أنّ: “بعض المخيمات لا تملك وسيلة لتصريف مياه الأمطار، لذا في بعض الأحيان يتم نقل المخيمات لضمان أمن وأمانة اللاجئين/ات بشكل خاص خلال الفيضانات”.
مضيفةً “لا يوجد خططًا مسبقة لإدارة الأزمات الطبيعية، بل تدخل إغاثي عاجل وفوري بعد  وقوع الكارثة أو الحدث الطارئ”، مضيفةً أن الإجراءات الاحترازية للجمعيات محصورة بالتوعية وتأمين مواد التدفئة وتهيئة الخيم للعواصف القوية”

صحّة للاجئات النفسية في خطر

تسارع وتيرة التغيّرات المناخية يشكّل تهديدًا مضاعفًا على الصحّة النفسية لدى الأفراد والجماعات. فهذا المناخ المتطرّف يولّد الضيق العاطفي، والقلق، والاكتئاب، والأسى، وصولًا إلى السلوك الانتحاري، بحسب تقرير صدر عن  الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

في هذا الإطار، أكّدت سناء الكردي – عاملة اجتماعية في المخيمات – أن المناخ المتطرّف يؤثر بشكل سلبي على الصحّة النفسية للاجئات داخل المخيمات بشكل خاص بسبب صغر مساحة الخيم، وعدم تأمين البنية التحتية لتساعد على تقليل خطورة وقوع الكوارث، ما يسبب قلقًا وخوفًا للاجئين/ات، مضيفةً أن: “درجات الحرارة سواء كانت منخفضة أو مرتفعة بشكل متطرّف تؤدي إلى التوتر والخوف  بسبب التفكير بسبل تأمين مستلزمات التدفئة من مازوت أو كهرباء أو حطب، وعدم وجود هذه المواد يشكل قلقًا للاجئين/ات”.

قالت أم محمد “نحن نعيش عذابًا وخطرًا يوميًا، أشعر بالتعب والقلق، فالحياة صعبة معاناتنا مستمرة صيفًا وشتاءً وننتقل من أزمة إلى أخرى”. أمّا فرات لاجئة مقيمة في أحد مخيمات عرسال هي أم لثلاث بنات، فوصفت شعورها خلال الظواهر الجوية المتطرّفة، قائلةً: “أخاف على بناتي لدي مسؤولية كبيرة تجاههن، مضيفةً: “أخاف من قساوة البرد لأننا لا نملك تدفئة والخوف والتوتر يرافقنني”.

بدورها، لفتت رؤى دندشي، المتخصصة في قضايا الجندر والتغيّر المناخي، إلى أن “النساء والفتيات يتعرضن لخطر أكبر للعنف الجسدي والجنسي والمنزلي في أعقاب الكوارث الطبيعية، مثلًا تكون المرأة معرضة للتحرش في حال اضطرت لنقل خيمتها بسبب كارثة طبيعية وهذا يزيد نسبة التوتر والخوف لديها”.

أم فيصل لاجئة سورية مقيمة داخل أحد مخيمات الشمال، عبّرت عما تختبره خلال التغيّرات والإضطرابات المناخية، قائلةً: “لا يوجد شيء يشعرنا بالراحة، أخاف من برد الشتاء والفيضانات في بعض الأحيان لا أستطيع النوم بسبب الهواء القوي والبرد الشديد وأشعر بالقلق طوال الوقت”.

سيناريو المأساة يتكرر كل سنة صيفًا وشتاءً، في وقت ينحرف المناخ نحو مزيد من التطرّف بوتيرة متسارعة. في أثناء عدم امتلاك الدولة في لبنان خططًا لإدارة الأزمة الطبيعية في حال وقوعها داخل المجتمعات المستضعفة التي تعاني من اهتراء خطير في بنيتها التحتية، ما يجعل من مواجهة مفاجآت الأزمات المناخية مهمة شبه مستحيلة.