الذكاء الاصطناعي (AI) أداة، لا تهديد!
أصبح الذكاء الاصطناعي والذي يعرف بالـ AI قادراً على تطوير الطرق التي تُجرى بها التحقيقات، ومنها تحقيقات المصادر المفتوحة (OSINT).
ما كان في الماضي يثير الخشية، أصبح االيوم يقدِّم قدرات جديدة تتيح للمحللين العمل بشكل أكثر كفاءة. يستكشف هذا المقال كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لأجل التحليل وإعداد التحقيقات المعمّقة مفتوحة المصادر.
عوضًا عن استبدالهم، يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات المحللين البشريين. تتفوق الخوارزميات في معالجة كميّات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط. وهذا ما يتيح للمحققين تركيز جهودهم على التفكير النقدي وإيجاد العلاقات. كما يساعد الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام المملة، مما يوفر المزيد من الوقت للأعمال القيّمة.
باستخدام التقنيات الصحيحة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التحقيقات بعدة طرق أساسية سننظر هنا في ثلاثة مجالات رئيسية منها:
- تحليل الصور والفيديوهات: بإمكان الذكاء الاصطناعي المساعدة في إكتشاف الوسائط المزيفة أو الاصطناعية ، وتوفير تقنيات تعرّف على الوجه والتحديد الجغرافي.
- البحث المُعَزّز بالذكاء الاصطناعي: أدوات مثل روبوتات الدردشة يمكن أن تساعد في صياغة استفسارات عن بحث أفضل، للعثورعلى المعلومات ذات الصلة عبر الويب وقواعد البيانات.
- البحث والتحليل: يمكن لنماذج اللغة الكبيرة الواردة أن تُلخِّص الوثائق، وتستخرج نقاط البيانات الرئيسية، وحتى الإجابة على الأسئلة حول مواد البحث.
تحليل الصور والفيديوهات
يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتحليل الصور والفيديوهات المدرجة في التحقيق. مع ازدياد تقنيات التزييف العميق (Deep Fake) والوسائط الاصطناعية، يحتاج الصحفيون/ات إلى طرق لتوثيق عمل وسائل الإعلام وكشف التلاعب. ولذلك يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في:
- كشف التزييف العميق: إذ توجد دلائل دقيقة تظهر عند إنتاج الفيديوهات الاصطناعية التي يمكن الكشف عنها بطريقة خوارزمية. وباستخدام نماذج التعلُّم العميق المدربة على البيانات الحقيقية مقابل البيانات المزيفة، يمكن للتحليل أن يحدد الأجزاء المُعدّلة من الوسائط.
- التعرُّف على الوجوه: إن التعرّف على الأشخاص المهمين في الصور والفيديوهات يُعد تقنيةَ تحقيقٍ أساسيةً. ومع وجود قاعدة بيانات لصور الوجوه، يمكن مطابقة الوجوه بين وسائط مختلفة لبناء العلاقات.
- اكتشاف الأشياء: تحديد الأشياء المهمة مثل الأسلحة، والمركبات، والشعارات، وما إلى ذلك. فيمكن للتحليل التلقائي تسريع المراجعة والمساعدة في تحديد اللحظات الأساسية لمزيد من التدقيق.
- التحديد الجغرافي: يمكن أن توفر المعالم والتضاريس دلائل سياقية جغرافية. فالمقارنة الجانبية للمشاهد مع الخرائط والبيانات الجغرافية يمكن أن توفر رؤى حول المواقع.
لا يوفر الذكاء الإصطناعي تحليلاً مثاليًا، ولكنه يمنح الصحفيين/ات مساعدة كبيرة في معالجة كميات كبيرة من الأدلة الإعلامية بدقة وكفاءة. مع النماذج والبيانات التدريبية الصحيحة، يمكن لتحليل الذكاء الاصطناعي أن يسرِّع التحقيقات ويؤدي إلى علاقات جديدة.
البحث المُعَزّز بالذكاء الاصطناعي
يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين عملية البحث في التحقيقات الرقمية بشكل كبير، مما يساعد المحللين في العثور على المعلومات الأكثر صلة بسرعة. بدلاً من الاعتماد فقط على الكلمات الرئيسية ومصطلحات البحث البوليني/المنطقي، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي مثل الدردشة الآلية أن تفهم النية وراء التحقيق وتساعد في صياغة استفسارات بحث أفضل.
على سبيل المثال، يمكن لروبوت الدردشة أن يجري محادثة بلغة طبيعية مع محققين لفهم ما يبحثون عنه، مثل الاتصالات بين شخصين خلال إطار زمني محدد. ثم يمكن لروبوت الدردشة أن يقترح مصطلحات بحث ذات صلة، ومصادر بيانات للبحث استنادًا إلى هذا الفهم. فبدلاً من محاولة مجموعة مختلفة من مزيج الكلمات الرئيسية يدويًا، يساعد الذكاء الاصطناعي في إعداد استفسارات بحث شاملة مصممة خصيصًا للتحقيق.
تتضمن بعض الطرق الرئيسية التي يُحسِّن بها الذكاء الاصطناعي عملية البحث:
- فهم السياق والنية وراء استفسارات البحث، وليس فقط الكلمات الرئيسية، وهذا يسمح بالحصول على نتائج ذات معنى أكثر.
- اقتراح تلقائي لمصطلحات بحث إضافية، ومرادفات، ومفاهيم ذات صلة، والتي قد لا تخطر ببال الصحفيين/ات، وهذا يوسّع ويحسّن قدرات البحث.
- البحث عبر مصادر بيانات وقواعد بيانات متعددة في وقت واحد. فيمكن لمساعد الذكاء الاصطناعي البحث من خلال صفحات الويب، ووسائل التواصل الاجتماعي، وقواعد البيانات الخاصة، وغيرها بالتوازي في ذات الوقت.
- تحسين وتطوير استفسارات البحث باستمرار بناءً على النتائج، فكلما عُثر على بيانات ذات صلة أوثق ، يُحسِّن الذكاء الاصطناعي نهج بحثه للاستفسارات التالية.
- استخراج الأسماء الرئيسية، والتواريخ، والمواقع، وكيانات أخرى من المستندات لتزويد استفسارات البحث. وهذا يسمح بتركيز البحث على أجزاء المعلومات الرئيسية.
- التعرُّف على العلاقات والصلات بين الأشخاص، والأماكن، والأحداث لكشف معلومات ذات صلة يصعب العثور عليها.
مع التنفيذ الصحيح، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيد بشكل كبير من سرعة وإنتاجية البحث الرقمي في التحقيقات. ومع ذلك، يجب الانتباه لمراجعة وتقييم نتائج البحث لتجنب احتمالية زحف التحيزات. على الرغم من ذلك، يبدو الذكاء الاصطناعي تقنية واعدة للعثور على إبر في أكوام القش المتزايدة من البيانات.
البحث والتحليل في تلخيص الوثائق
أصبح تلخيص الوثائق قدرة حاسمة مكّنها الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الذاتي. مع الانتشار الهائل للمعلومات الرقمية، غالبًا ما يجد الصحفيون/ات أنفسهم/ن بحاجة إلى تصفّح آلاف الصفحات من التقارير، والوثائق القانونية، والمقالات، وغيرها.
يمكن لتقنيات معالجة اللغات الطبيعية القوية أن تساعد في أتمتة عملية تقطير [فلترة] هذه الوثائق الطويلة إلى ملخصات مختصرة. ويمكن استخراج النقاط الرئيسية لتقديم جوهر الوثيقة بسرعة، ويمكن حتى الإجابة عن الأسئلة مباشرةً استنادًا إلى المحتوى المصدر دون الحاجة مسبقاً إلى قراءة الوثيقة بالكامل.
بعض الطرق الرئيسية المستخدمة للتلخيص تشمل:
- التلخيص الاستخراجي: تحديد الجمل الرئيسية في الوثيقة الأصلية لتضمينها في الملخّص.
- التلخيص التجريدي: إعادة صياغة أقسام الوثيقة باستخدام عبارات وجمل جديدة.
- التلخيص متعدد الوثائق: تكثيف المعلومات من مصادر متعددة إلى ملخص واحد.
بوجود ملخّص جيد بين أياديهم، يمكن للمحققين تحديد الوثائق الأكثر صلة،لتركيز وقتهم عليها والحصول على المزيد من التحليل. يعمل التلخيص كمضاعف للقوى، معززًا الرؤى التي يمكن الحصول عليها من مجموعات كبيرة من البيانات.
المخاطر والقيود
عند استخدام نماذج التعلّم الذاتي والذكاء الاصطناعي على نحوٍ عام، وفي التحقيقات على وجه الخصوص، من المهم تجنب الافتراضات الخاطئة حول ما يمكن للتكنولوجيا القيام به. لا يجب اعتبار أنظمة الذكاء الاصطناعي كائنات مستقلة أو واعية بالكامل. إنها تعتمد على قواعد بسيطة لتعلّم أنماط معقدة في البيانات. فعلى الرغم من تقدم هذه التقنيات، إلا أنها ليست مثالية وتحتاج إلى مزيد من التطوير والتحسين. هنا بعض النقاط المهمة:
1. قيود البيانات:
- يعتمد أداء نماذج التعلُّم الذاتي على البيانات التي جرى تدريبه عليها. إذا كانت البيانات غير متنوعة أو غير كافية، قد يكون الأداء غير دقيق.
- ربما يوجد تحيّز في البيانات، مما يؤثر في القدرة على التعامل مع حالات غير مألوفة.
2. ضعف الفهم العام للسياق:
- على الرغم من قدرة نماذج التعلُّم العميق على تحليل الصور والنصوص بدقة، إلا أنها تفتقر إلى الفهم العام والتفكير البشري.
- قد تكون قادرة على التعرف على كائنات محددة في صورة، ولكنها لا تفهم السياق الكامل أو العوامل المحيطة.
3. التفسيرية والشفافية:
- يعتبر تفسير أداء نماذج التعلُّم العميق تحديًا، فقد يكون من الصعب فهم كيفية اتخاذ القرارات أو التوصل إلى النتائج.
- يجب التركيز على تطوير نماذج قابلة للتفسير والشفافية.
4. التحديات الأخلاقية:
- يجب أن نناقش التحديات الأخلاقية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مثل الخصوصية والتمييز والتأثير على الوظائف البشرية.
- يجب أن إستخدام هذه التقنيات بحذر ومسؤولية.
من الضروري مراقبة وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي باستمرار، لتجنب نشر التحيّزات أو إصدار توقعات مفرطة في الثقة. يمكن لتقنيات مثل التحقق المتقاطع وقياس الإيجابيات/السلبيات الكاذبة أن تساعد في تقدير أداء النموذج. الثقة العمياء في التنبؤات الخوارزمية يمكن أن تؤدي إلى إنحراف التحقيقات.
يجب وزن مخاطر الذكاء الاصطناعي مقابل الفوائد. مع الاستخدام المسؤول والشك في القيود، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزِّز الذكاء البشري للحصول على رؤى أكثر دقّة. ولكن يجب ضبط التوقعات على نحوٍ مناسب، لتجنب السيناريوهات التي يكون فيها الذكاء الاصطناعي مُضلِّلًا أو ضارًّا، فمن الضروري اتخاذ منظور متوازن.
استخدام تقييم F لتقدير الأداء
يجب علينا تقييم أداء نظام الذكاء الاصطناعي باستمرار. تقييم F-score هو معيار يستخدم لقياس دقة النماذج في مهام التصنيف، ويُحسب بجمع قيمتي الدقة (Precision) والاسترجاع (Recall) في قيمة واحدة:
- الدقة: هي نسبة التصنيفات الصحيحة من بين جميع التصنيفات الإيجابية التي توقعها النموذج.
- الاسترجاع: هو نسبة التصنيفات الصحيحة من بين جميع الحالات الإيجابية الفعلية.